ساعة السيد م.ن. الأخيرة

time-travel-steve-hester

وضَعَ آخر قطعة دومينو على الطاولة
وانتهى الدورُ الذي يلعبهُ وحيدًا؛
لا غالب ولا مغلوب،
للمرَّة السبعين بعد الألفِ..
أعادَ الدومينو إلى الصندوق،
أطفأ المِصباح،
أوقدَ شمعةً،
ووقف يُصلّي أمامَ الساعة،
للمرَّة السبعين بعد الألفِ..
يرجوها أن يزحف قطار عقاربها

إلى الوراءِ..ساعة!
فيحتسي كل فناجين القهوةِ
التي تركها تبرد
ثُم زَهَدَ فيها..
يودّعُ رفيقًا كما يجبُ أن يكون..
يُقبّل حبيبةً لم تَعُد كذلك..
يتدثَّرُ في مِعطَف جدّه الخشن..
يَتمشى ليلًا في الميدان
دون أن تُلاحقه ظلال الجنود..
يُكمل قصيدةً ضاعت بين الدفاتر..
يجلسُ بين أطلالِ المقهى..
ثُم يعودُ بعد انقضاء الساعة
إلى الساعة..
يكسر تروسها،
ينتزع عقربيها،
يغرسهما في قلبه،
فتصير آخر ميتاتِهِ، وأبهجها،
المِيْتة السبعين بعد الألفِ..

.
..للاستماع إلى النصّ مُسجلًا: اضغط هنا
Advertisements

ألف كتاب وكتاب

سور-الأزبكية-_-أجازة-كليك-_معرض-القاهرة-الدولى-للكتاب-_القراءة-للجميع-_كتب-مستعملة

تنتج جمهورية مصر العربية كل عام نحو 85% من إجمالي الكتب التي تصدر في الوطن العربي، ووفقًا لدراسة حديثة أعدها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، فإن 48% من الشباب المصري بين سن الـ15 والـ30 تحتل القراءة المرتبة الثالثة على قائمة هواياتهم، وأن 61% من هؤلاء يعتمدون بشكل رئيسي على استعارة الكتب من الأصدقاء والمكتبات العامة، بينما يخصص 27% منهم نحو 5 دولارات في المتوسط لشراء الكتب كل شهر.

وتعيش مصر منذ سنوات طفرة ملحوظة في أعداد الكتب المنشورة، وبالتحديد من بعد الانتخابات الرئاسية عام 2005، حين ارتفع سقف حرية التعبير – نسبيًا – في محاولة من نظام الرئيس المخلوع مبارك لتجميل صورته، بعد أن ازدادت الانتقادات الموجهة إليه من الخارج، وتصاعدت الاحتجاجات والإضرابات العمّالية في الداخل. وقد أثارت هذه الطفرة – ولا تزال – جدلًا واسعًا في الأوساط الثقافية والأدبية لما صاحبها من ثورة على “المضمون”، قادها جيل جديد من الكتَّاب الشباب له أسلوبه وأفكاره ولغته المختلفة. وبين مؤيد يرى أن ما يحدث هو تطور طبيعي يُعبّر عن المجتمع، وبين معارض يرى في انتشار الكتب الشبابية إهدارًا لقيمة الثقافة والأدب وهبوطًا بذوق الجمهور، تستمر ماكينات الطباعة المصرية في العمل دون توقف.

قبل الثورة وبعدها

تنقسم السنوات العشر الأخيرة من عُمر الكتابة في مصر إلى فترتين رئيسيتين، تفصلهما ثورة الخامس والعشرين من يناير، وفي كلتا الفترتين كان التأثير بين الكتابة والسياسة مُتبادَلًا، وعنيفًا:

الأولى شهدت انسدادًا سياسيًا كبيرًا، بعد تزوير الانتخابات، وسيطرة رجال جمال مبارك – نجل الرئيس المخلوع – على الحزب الحاكم وكافة مفاصل الدولة. في تلك الفترة التي كان يغلي فيها الشارع المصري وجد العديد من الكُتَّاب ضالتهم في الأدب الساخر، فكتبوا يسخرون من الدولة والبيروقراطية والمجتمع، وبزغ نجم مجموعة من الأقلام الشبابية يتصدرها عمر طاهر وبلال فضل وأحمد العسيلي وهيثم دبور، مجموعة أقرب في لغتها وأفكارها إلى الجمهور الذي تلقفها بترحاب.

كانوا غاضبين، وكانت السخرية اللاذعة هي سلاحهم ووسيلتهم للتعبير عن هذا الغضب. يمكننا تلخيص تلك الفترة في مقولة للروائي التركي أورهان باموق؛ الحائز على جائزة نوبل في الآداب: “أكتبُ لأنني غاضبٌ منكم جميعًا، أكتب لأنني لا أستطيع تحمُّل الحقيقة إلا وأنا أُغيّرها”.

أما الفترة الثانية – فترة الثورة وما تلاها – فقد شهدت تجدد الأمل لدى عموم المصريين، وارتفاع سقف الحريات إلى حد غير مسبوق في تاريخ مصر منذ قيام الجمهورية. اختفى حاجز الخوف، وعادت أحلام الحرية والعدالة الاجتماعية تطرق أبواب المصريين من جديد، فانحسرت موجة الكتابة الساخرة، واتجه الكُتَّاب بقوة إلى ألوان أخرى من الأدب تمس الوجدان بشكل أكبر. لم يكن يمر يوم واحد دون أن تسمع عن إصدار رواية شبابية جديدة أو ديوان شعر بالعامية.. كان الأمر جنونيًا.

قضيت يومين أثناء تجهيزي لكتابة هذا المقال بين دار الكتب والوثائق القومية في وسط القاهرة، والجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في شرقها، محاولًا الحصول على بعض الإحصائيات عن أعداد الكتب التي تصدر في مصر سنويًا وأقسامها؛ كي أقف على حقيقة الصعود الصاروخي للكتابة الأدبية بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، وقد كانت الأرقام – التي لم يفدني أي من موظفي الجهتين في الحصول عليها – خير دليل.

في 2009 لم تكن تُشكل الكتب الأدبية أكثر من 18% من إجمالي عدد الكتب المنشورة في مصر خلال السنة، ثم قفزت النسبة إلى الضعف تقريبًا بعد الثورة عام 2011 لتصل إلى 30%، وفي 2012 وصل عدد الكتب الأدبية المنشورة في مصر إلى 573 كتابًا شكلوا نحو 35% من الإجمالي، بواقع كتاب ونصف كل يوم!

بين الفوضى والإبداع

لا يمكن أن نحيل سبب انتشار الكتابة الأدبية في مصر إلى ثورة الخامس والعشرين من يناير، ونغفل الدور الكبير الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي، لقد خلق “فيسبوك” ورفاقه مجتمعًا نصّيًا يتم التواصل فيه يوميًا بشكل أساسي (وليس حصري) من خلال الكلمات قراءةً وكتابة، وقد ساهم ذلك في خلق شريحة جديدة من القرَّاء الذين وجدوا في الوجبات النصيَّة السريعة ضالتهم، وشريحة جديدة من الكُتَّاب الذين ساعدتهم وسائل التواصل الاجتماعي تدريجيًا على تخطي رهبة الكتابة.

تريد أن تنشر كتابًا الآن؟ لا بأس، إذا كنت تملك حبرًا على ورق، وقليلًا من المال، وعددًا من المتابعين على “فيسبوك” أو “تويتر” فلن تجد أي مشكلة في ذلك، لا يهم إن كان ما تكتبه شعرًا أم نثرًا ولا يهم عدد الجرائم التي سترتكبها في حق اللغة، ستجد من ينشر لك. هناك من جمع تغريداته على “تويتر” ونشرها في كتاب، وهناك من جمعت رسائل التحرش التي تصلها على “فيسبوك” وقامت بنشرها كذلك. بالتأكيد تملك فرصة.

لا أترحم على أيام “المحاسيب” من المثقفين، ولا على الانتظار لشهور وسنوات أمام مكاتب وزارة الثقافة والهيئات الحكومية كي تنشر كتابًا (هذا إن قبلوا نشره)، وأدافع بشدة عن حرية الإبداع، تمامًا كما أدافع عن حرية النقد، لكن كما قال غابرييل غارثيا ماركيز: “لا بد من إبداء الرأي بصراحة مطلقة، فعندما نرى شيئاً غير جيد يجب أن نقول ذلك، يجب أن نتعلم قول الحقيقة لبعضنا البعض وجهًا لوجه، وأن نعمل كما لو أننا نقوم بإجراء علاج جماعي”.

كذلك لا أغفل مسؤولية عدد كبير من دور النشر والمكتبات في الأزمة التي يعيشها الوسط الأدبي بمصر حاليًا، ففي ظل غياب شبه تام للرقابة الذاتية على ما يُنشر، واللهاث وراء كل ما خفَّ وزنه وسَهُل بيعه، يصبح القارئ أسيرًا “للأكثر مبيعًا” وتفسد ذائقته.

حين سُئل الكاتب والفيلسوف الفرنسي “فولتير” عمن سيقود الجنس البشري، أجاب: “الذين يعرفون كيف يقرؤون”. وبالطبع لا يقصد “فولتير” من يجيدون الشِق الآلي للقراءة بربط الحروف والكلمات لاستخلاص المعنى، بل يعني هؤلاء الذين تطورت لديهم المهارة الكافية لمعرفة ما عليهم قراءته، وكيف ينقدونه، وما عليهم فهمه وتضمينه، وما عليهم نسيانه.

 

(المقال نُشر لي في جريدة العربي الجديد إبريل الماضي)

مش قصة هاي

image

بتمرُق عليّ امرُق.. ما بتمرُق ما تمرُق
مُش فارقة معاي.. مُش فارقة معاي

مرَّ شهران، لم أُقابل خلالهما مخلوقًا، وأنا أُحدق في ذلك الهاتف الأسود المستقر فوق الطاولة الخشبية العتيقة في ركن الغرفة؛ تلك الطاولة التي اعتدت أن أجلس إليها وأنا أخطّ رسائلي. كل كلمة، كل بقعة حبر، كل لحظة سكونٍ بين السطر والذي يليه، شهدتها تلك الطاولة. كان العالم كله ينطوي فيها حين أبدأ في الكتابة، والآن يجثم ذلك الهاتف الأسود على صدرها وصدري، يبث بسكونه في خرائب روحي وَحْشَةً بعد وَحْشَة. أحيانًا حين يغلبني النعاس، ثم أتوهَّم أنه يرنّ، فأهبُّ إلى السمَّاعة ولا أجد إلا الصوت المتقطع لنغمة الإدخال. هل حقًا ما زلت أنتظرك؟ غُرفتي التي لم تدخلها الشمسُ منذُ شهرين تقول نعم، وعقلي الذي لم تفهمهُ يقول لا، وقلبي الذي أحبَّك لم يَعُد صالحًا لشيء.

بتفرق معاي افرق.. ما بتفرق ما تفرق
قصة مُش هاي.. مُش قصة هاي

المسافر وحدهُ حُرّ، المسافر وحدهُ تتبدَّل عوالمهُ سريعًا فيُنسيهِ آخرها أولها. ستّون يومًا قضيتها وأنا أتنقَّلُ من مدينةٍ إلى مدينة، ومِن قطارٍ إلى قطار. لكن لا تبدُّل الوجوه منحني الراحة، ولا تبدُّل الأمكنة منحني الإجابات. أنا كما أنا؛ لا أستطيعُ الحياةَ بدونكِ ولا أستطيعُ الحياةَ معك. وقفتُ على ضفةِ نَهرٍ، وعلى الضفةِ الأُخرى كان نسيانك.. قطعتُ من روحي بسكين صدأة كل ذِكرى تربطني بك، وألقيتها في النهرِ واحدةً تلو الأخرى، لأصنع منها جسرًا أعبرُ عليه. لكن حين انتهيت لم يتبقَّ مني شيء كي آخذَهُ وأعبُر، فوضعتُ سكيني أرضًا، ومكثتُ مكاني.

بتشفق عليّ إشفِق.. ما بتشفِق ما تشفِق
مُش هاينة عليّ.. مُش فارقة معاي

مُكابَدَة

أَن تَدُكّ إحداهُنَّ حُصُوني بَعد كُل سنوات الاستِغناء والجُموح، فهذا ناموسُ الرب في كَونِهِ وعَينُ عدله. لكن كيفَ يَحمِلُ هَذا الجَمَالُ ما تَنوءُ بهِ الجِبالُ مِن قَسوةٍ وبُرودٍ وتَرَدُّد؟ تلكَ التي خُلِقَتْ تاءُ التأنيثِ مِن ناصِيَتِها، كيفَ أعددتُ راحِلَتي للسَيرِ في بساتينِ عَيْنَيها الخَضْراويَنِ فإذا بهما يَمُّ هائجٌ أَغرَقَني؟ إنَّ الذي قَذَفَ في قَلْبي كُل هذا الحُب، وقَذَفَ في روحها كُل هذا الحُسن، لقادر عَلى أن يُحيل جَزَعي اصطبارا، وناري ثلجًا، وثَلجها نارا، وأن يَحدوها إليَّ مُصْبِحَةً أو مُدلِجَةً لا تَخاف إلَّاهُ وحَرّ الشوقِ على قَلبِها.

سونيت 18

سونيت رقم 18 لويليام شكسبير، ألقيتها بالإنجليزية على موقع ساوندكلاود > (هنا)
وهذا هو النص الأصلي لها، بالإضافة إلى الترجمة العربية للدكتور محمد العناني والذي ترجمها لجريدة المساء سنة 1962.

صورة


ألا تشبهين صفاء الصيف

بل أنت أحلى وأصفى سماء

ففى الصيف تعصف ريح الذبول

وتعبث فى برعمات الربيع

ولا يلبث الصيف حتى يزول

وفى الصيف تسطع عين السماء

ويحتدم القيظ مثل الأتون

وفى الصيف يحجب عنا السحاب

ضيا السما وجمال ذكاء

وما من جميل يظل جميلا

فشيمة كل البرايا الفناء

ولكن صيفك ذا لن يغيب

ولن تفتقدى فيه نور الجمال

ولن يتباهى الفناء الرهيب

بأنك تمشين بين الظلال

اذا صغت منك قصيد الأبد

فمادام فى الأرض ناس تعيش

ومادام فيها عيون ترى

فسوف يردد شعرى الزمان

وفيه تعيشين بين الورى

الصَخْرَة

 

صورة

تركتُ كُلَّ شَيءٍ خَلْفي..
مَشاكلي وعذاباتي،
صَوت المُحَقِق،
صُراخ امرأتي،
ضَجيج المَدينة،
وهمهمات الناسِ حَولي فِي الحاناتِ..
كَم سِرتُ؟
لا أدري..
كانَت طريقًا ضبابيَّةً
بلا مارة أو علاماتِ..
يَمَّمتُ وجهيَ شطرَ اللامكان
أدورُ حولَ نفْسي عاجلًا وَجِلًا
كهاجر إذ تَبحث لابنِها عَن القَطَراتِ..
وأنَّى لِي بإبراهيمَ يَدعو؟
وأنَّى لي بجبريلَ يضربُ الأرضَ بالبركاتِ؟
أمضي والضياعُ هُدايَ..
إلى متى سرت؟
لا أدري..
لَم يَعُد للوقتِ مَعنى
وتناثرَت عَقاربُ الساعاتِ
***
ناداني صوتهُ من بعيد: يا غريب!
كان واقفًا يحمل صخرةً عظيمة
على سفح جبلٍ قِمَّتُهُ في السماواتِ..
أقبلتُ إليه وسألته:

-مَن أنتَ يا هذا؟
-اسمي سيزيف
-سيزيف؟ يبدو اسمكَ مألوفًا.
-علَّهُ صادفكَ في جريدةٍ أو في إحدى الرواياتِ..
-أهلًا سيزيف.
-أهلًا بغريبٍ انتظرتهُ آلافَ السنواتِ..
-لا يبدو جسدك بخير، ولا عقلك، وما هذه الصخرة؟
-أوه، الصخرة! ألا تحملها عني قليلًا؟
-ضعها أرضًا.
-مكتوبٌ عَليها ألا تَمَس الأرضَ.. مصبوبٌ عَليها ألعنَ اللعناتِ..
-كفاك خرفًا أيُها المجنون ودعني فقد تُهتُ هنا.
-سأدلك على الطريق! لكن احملها ريثما أقضي حاجتي خلفَ الشُجيراتِ..

حَمَلتها عنهُ ولَم يَعُد.. حاولتُ طرحها أرضًا فلَم تنطرح..
ولَم تُفلِحُ استغاثاتي..
ضَجيجٌ هائلٌ مِن الصَخرةِ يَصُمُّ أُذني!
صَوتُ المُحَقِق،
صُراخُ امرأتي،
ضَجيجُ المَدينةِ،
وهمهماتُ الناسِ حَولي فِي الحاناتِ..

 

مخطوطٌ على منديل المقهى

صورة

لكُل داءٍ دواء، إلا الحُب، لا يُداويه إلَّا الحُب. أرأيت إن سار الركبانُ في صحراءٍ وجاوزوا شطرها ثُم نفد ما معهم من زاد؟ إن عادوا أدراجَهُم هَلَكوا، وإن بقوا مكانَهُم هَلَكوا. كذلكَ الفتى في الحُب؛ لا أملَ له في النجاةِ إلا بضرب أكباد الإبِل فيه مُقبلًا غير مُدبر.

 

 

Next Newer Entries