ألحان الأبديّة

قفا نبكِ مِن ذكرى حبيبٍ ومَنْزِلِ..

هذا الباب الذي يبدو قاتمًا وموحشًا الآن كان قبل سنوات مدخلًا بَهِجًا لفردوسي الأرضي؛ تغطي جنباته الزينة الملونة، وتباركه صيحات أطفال العائلة والجيران وهم يلعبون.

فردوس لم أشك لوهلة أن كل ما فيه أبديّ.. معطف جدي الدافئ، أنغام المذياع العتيق، أهازيج جدتي الفلكلورية، أصوات خالاتي وهنّ يتسامرن، وصخبنا في جوف الليل ونحن نضعُ خطةً مُحكمةً لتوزيع أماكن النوم بالمنزل على هذا الجيش الجرّار.

لكن مات جدّي قبل أن يُعلمني كيف ألعب الشطرنج. وفرَّقت جدتي بين أبناء وبنات الخالات بأمرٍ من شيخ “فضائيات” لا أعرف اسمه، فغابت عنا براءة الأطفال، ولم نعد نتضاحك. ثم غادرتنا خالتي ذات خريفٍ بلا وداع، فصرتُ أبكيها كل خريف.

وبيعَ البيت، ولم يبق في مدخلهِ إلا أشباح أصوات الصغار، تتلمسُ طريقها نحو الأبدية، وتهمس في أذني حين أزورها: “تعالَ معنا!”.

الإعلانات

مراجعة رواية “الضوء الخافت”

distant-light (1).jpg

 

يعيش بطل الرواية وحيدًا في بلدة مهجورة وسط الغابات والجبال، حيث لا بشر سواه، وحيث تطغى الطبيعة على كل شيء، وتتمرد على كل ما هو من صنع الإنسان. وفي كل ليلة، من أعالي التلال البعيدة، ينبعث ضوء خافت لا يعلم بطل الرواية ماهيته. يستفزه الضوء طويلًا حتى يقرر ذات يوم أن يذهب في رحلة لاستكشاف مصدر ذلك الضوء، رحلة ستقوده نحو المزيد من الحيرة والأحداث غير المتوقعة.

أبدع الكاتب باقتدار في الوصف البديع للمشاهد والطبيعة والأصوات. ولأن ليس ثمة شخصيات في الرواية سوى بطلها الوحيد، فقد اعتمد الكاتب ببراعة شديدة على المونولوج تارة، وعلى الحوار بين البطل والطبيعة من حوله تارة أخرى. كما نجح في تسليط الضوء على صراع الإنسان مع ذاته، وصراع الإنسان مع الطبيعة.

في قصة موسى وجد النبي الإجابات حين ترك أهله وتتبع الضوء الذي أومض في طور سيناء، وفي رواية أنتونيو موريسكو أصبح البطل محملًا بالمزيد من الأسئلة.

“أين يمكنني أن أذهب كي لا أرى هذه المذبحة، هذا الاعوجاج الأعمى الذي لا يمكن إصلاحه، والذي يسمونه الحياة؟”

ولد الكاتب الإيطالي أنتونيو موريسكو في إيطاليا عام 1947، ويعده النقاد أحد الآباء الجدد للرواية الإيطالية عمومًا والتيار التجريبي خصوصًا. لم تكن بداياته موفقة، حيث تم رفض أعماله من قبل العديد من دور النشر، قبل أن يفرض نفسه بقوة على الساحة الأدبية بثلاثيته الرائعة “ألعاب الأبدية”.

صدرت النسخة العربية من رواية “الضوء الخافت عام 2017 عن دار “بعد البحر” للنشر بدعم من وزارة الخارجية الإيطالية، وترجمتها عن الإيطالية المترجمة المتميزة هبة فاروق.

مرثيَّة

tumblr_mv3j35NWZw1snvd8eo1_500

أنتظرها،
وأهيم إلى حيها المكتظ،

أتأكدُ أن الفرَّان لا زال يخبز كعكتها المفضلة، وينتظرها..
وأن بائع الفاكهة قد أتى بثمار البرتقال، وينتظرها..
وأن القمر لا زال يتوارى خلف البيت العتيق، وينتظرها..
وأن حارس المدرسةِ يقرأ الجريدة على كرسيه، وينتظرها..

أنتظرها،
وأُعد طاولة الطعام تمامًا كما كانت تُحب،
فابعثها الليلةَ سيّدي،
لأنني منذ ثلاثة أعوامٍ
أنتظرها..

مراجعة رواية “شجرتي شجرة البرتقال الرائعة”

 

tree

العنوان: شجرتي شجرة البرتقال الرائعة.
 الكاتب: خوسيه ماورو دى فاسكونسيلوس.
المترجم: إيناس العباسي.
عدد الصفحات: 245
الناشر: مسكيلياني للنشر والتوزيع
تاريخ النشر الأصلي: 1968
تاريخ نشر الترجمة: 2018

 

“بحثًا عن اكتشاف الأشياء”، هذا هو عنوان الفصل الأول الذي بدأ به دى فاسكونسيلوس روايته المتمحورة حول شخصية “زيزا”، الطفل البرازيلي المشاكس صاحب الخمسة أعوام، والذي يعيش مع أسرته في أحد أحياء ريو دي جانييرو الأشد فقرًا. يمتلك زيزا ذكاءً فطريًا ساعده على إتقان القراءة وحده قبل أن يدخل المدرسة، وخيالًا واسعًا جعله يشارك أبطال أفلام “الكاوبوي” مغامراتهم دون أن يغادر باحة منزله.

كانت لزيزا طريقته الخاصة في اكتشاف الأشياء من حوله، طريقة لطالما قادته إلى المشاكل، ومن ثم إلى الضرب المبرح على مؤخرته الصغيرة، بالإضافة إلى نعته بالشيطان، والطاعون، وقط المزاريب. لقد نشأ هذا الطفل الهزيل في بيئة أسرية قاسية تمامًا؛ الأب بلا عمل، والأم تعمل في مصنع بعيد ولا تعود إلا مع غروب الشمس. كانت مائدتهم دومًا بلا طعام يُذكر في عيد الميلاد، وجواربهم بلا هدايا من “سانتا”، فيسوع الصغير لا يحب الفقراء، أو هذا ما وَقَر في قلب الصغير الذي كان يتجول أحيانًا في الشوارع بصندوق تلميع الأحذية طمعًا في كسب القليل من المال ليشتري به الكريات، أو صور نجوم السينما، أو علبة تبغ يصالح بها أباه. وبالرغم من حب الجميع لزيزا – بما فيهم أشقائه وأقاربه – إلا أن أحدًا لم يشعره قط بوجود هذا الحب. كان الفقر يغذي غضب الجميع، وكانت حماقات الصبي الصغير تحرر هذا الغضب.

يظل والد الصبي بلا عمل، وتنتقل الأسرة إلى منزل أصغر، حيث يجد زيزا في باحته الخلفية صديقه الوفي الجديد، جذع شجرة برتقال سمّاه “مينجوينهو”، يتحدث إليه، ويسمع منه، ويرويان لبعضهما الحكايات. تمر شهور الصيف، ويدخل زيزا المدرسة، وتزداد حماقاته التي أدت إحداها إلى صداقة وطيده بينه وبين السيد البرتغالي الذي دعاه زيزا “بورتوجا”. مع مانويل فالداريس – أو بورتوجا – يجد زيزا الحنان الذي افتقده في منزله، فيحاول التوقف عن قول البذاءات، ويعد بأن تقل حماقاته، ثم تتوالى أحداث الرواية، وتتوالى معها مغامرات الصبي النحيل الذي يُصادق جذع شجرة وسيدًا برتغاليًا في عمر والده.

 لم يكن مكتوبًا على غلاف الكتاب سوى أنه رواية، لكن بعد أن قرأت الأسماء التي أوردها الكاتب خوسيه دى فاسكونسيلوس في الإهداء، ثم وجدت هذه الأسماء تتكرر في المتن، أدركت أن الرواية ما هي إلا السيرة الذاتية للكاتب نفسه، سيرة بدأت بالطفولة وانتهت بها.

أكثر ما أعجبني حقًا هو اختيار الكاتب للطفل “زيزا” ليكون هو الراوي، ونجاحه في تقمص طريقة التحدث والتفكير لدرجة لا تجعلك تشك ولو للحظة أن من يروي الحكاية هو شخص آخر غير الطفل ذي الخمسة أعوام. لقد رسم خوسيه دى فاسكونسيلوس ببراعة تفاصيل معاناة الأطفال الفقراء في البرازيل، وأبرز التفاوت الطبقي الكبير الذي أوجدته الرأسمالية بين أبناء الحي الواحد. كما جعلنا نرى بعيون “زيزا” أن سماء الفقر لا تمطر إلا فقرًا، وأن هذا العالم في حاجة دائمة إلى المزيد من الحب.

يقول الكاتب في ختام سيرة طفولته الذاتية: “مرت السنوات عزيزي مانويل فالديراس، أنا الآن عمري ثمانٍ وأربعون سنة، وأحيانًا، في حنيني، يجتاحني شعور بأنني ما زلت دائمًا طفلًا. بأنك ستظهر فجأة وتجلب لي صور النجوم أو كريات. إنه أنت من علمني رقة الحياة عزيزي “بورتوجا”. الآن جاء دوري في توزيع الكريات والصور، لأن الحياة من دون الحنان لا تساوي شيئًا ذا بال”.

ولد البرازيلي خوسيه ماورو دى فاسكونسيلوس عام 1920 في ريو دي جانييرو لأب قوقازي ذي أصول برتغالية وأم هندية من السكان الأصليين. لم يكمل دراسة الطب، وتنقّل بين العديد من الوظائف، منها عمله كحمّال ومزارع ومدرب ملاكمة. كتب خوسيه ماورو العديد من الروايات، لكن لم يذع صيت أي منها – داخل البرازيل أو خارجها – سوى “شجرتي شجرة البرتقال الرائعة” التي نُشرت عام 1968. توقف نشر الترجمة الإنجليزية للرواية لأربعين سنة كاملة قبل أن تقوم “بوشكين بريس” بإعادة طباعتها في عام 2017. كما نشرتها بالعربية لأول مرة هذا العام دار مسكيلياني للنشر بدولة تونس. توفي دى فاسكونسيلوس عام 1984 بمدينة ساو باولو عن عمر ناهز الأربعة وستين عامًا.

غراميات م.ن النيتشوية

24232022_1315381255233967_9099427880810874402_n

يُمكنني إخبارُكِ
أننا الاستثناء الأجمل
بين كل نكبات العاشقين،
وأنَّ الله لم يخلق الإنسانَ
في كَبَدْ..
يمكنني إخبارُكِ
أنَّ النبيذ بين شفاهنا
لن ينضب بئرهُ،
وأنَّ ظَبيَ الحُبِ
يفترسُ الأسَدْ..
يمكنني إخبارُكِ
أنَّ هذا النزق اللذيذ
سيظل يكفينا،
وأنَّ عطركِ سيُسكرني
فوقَ الأبدِ، أبَدْ..
يُمكنني إخبارُكِ
أنَّ النجوم في عينيَّ
لن يخفت نورها،
وأن قلبكِ سيعودُ إليَّ
وإن شَرَدْ..
يُمكنني أن أهمسَ سحرًا
يوقظُ فيكِ
فراشاتي..
يُمكنني أن أعزفَ شعرًا
فوق سطوري
الباليةْ..
لكن!
أحب رؤية الحقيقة،
تمامًا كما
أحبُ رؤياكِ:
مُجردةً..
عاريةْ..

حكاية اللعنة الأولى

searching

حين سقط إلى الأرض الملاك الذي عصى الرب، بدت السماء وكأنها تمطر دمًا أسود، وأقسم الملاك – الذي لم يعد كذلك – بأن يَسِمَ كل ابنٍ لآدم بفعلٍ يشقيه؛ فهذا لعنته أن يطمع، وهذا أن ينتظر، وذاك أن يصمت، أما أنا فكانت لعنتي أن أبحث..

عندما كنت في الرابعة من عمري تسللت خارج المنزل لأجوب شوارع الحي وحدي، وحين وجدتني أمي أخيرًا بعد ساعة من البحث، سألتني والدموع تملأ إحدى عينيها بينما غطت خصلة من شعرها العين الأخرى: “أين كنت؟!”، فأجبتها: “كنت أبحث عن شيء ما”. في الأيام التالية حاولت أمي مرارًا أن تستدرجني لأخبرها بما كنت أبحث عنه، لكنها لم تحصل على إجابة أبدًا، لأنني لم أكن أعرف.

في مراهقتي كنت ألعب كرة القدم، وبعد إحدى المباريات لملمت أشيائي المتناثرة في غرفة تبديل الملابس، وأخبرت رفاقي أن هذا هو يومي الأخير معهم، لأنه يتوجب علي البحث عن شيء ما. في اليوم التالي حين سأل المدرب: “أين الفتى الأعسر؟”، أجابه أحدهم:” لقد رحل ليبحث عن شيء ما!”

قبل امتحانات الثانوية، اتفقت مع رفيقتي ذات ليلة أن نذهب إلى أطراف المدينة لندرس بعيدًا عن صخب مقاهي القاهرة في الصيف. انتظرتها تحت البيت دقيقتين، أو هكذا ظننت، قبل أن تصيح ضاحكةً بلكنتها الإيرلندية: “أيها المخبول! أنا هنا منذ عشر دقائق أشاهدك وأنت تحدق في السماء ثابتًا كأحد تماثيل عصر النهضة، هل تبحث عن شيء ما؟”، اكتفيت بإيماءة مفادها “لا أعرف”، ثم مضينا في طريقنا.

وهكذا، كان قدري دائمًا أن أبحث، حتى قبل أن أختبر الشعور بالذنب والألم والفقد والخطيئة، كنت أبحث..

أتنقل بين اللغات والحروف، بين الأماكن والوجوه، بين الحب والحب الآخر، بين نسخي الكثيرة التي ذبلت، وبين الأحلام القديمة التي أحرقتها النار.. أبحث.. ولا أدرى عما أبحث.

حكاية الحزن الأول

abel

 

في يومٍ ما، قبل حساب الأيام، جلس ابنٌ لآدم عند جَدولٍ يبكي أخاه، وكان أحد الشياطين قد اتخذ من الجدول بيتًا لما وجد من نقاء مائه. لكن يومًا بعد يوم، ظلت دموع ابن آدم تعكر صفو مياه الجدول، ثم حدث أن في اليوم الأربعين استشاط الشيطان غضبًا، فبرز لابن آدم مزمجرًا: “ما الذي يجلبك إلى هنا؟”. “الحزن”، أجاب ابن آدم بمزيج من الأسى وعدم الاكتراث، غير آبه بدمامة الشيطان أو بثورته. سكت الشيطان برهة قبل أن يصيح بخبث: ” لتتخلص من الحزن عليك أن تتخطاه، أن تتناساه.. هيا! اذهب! “.
كان الشيطان يعلم تمام العلم أنك لا تهزم الحزن إلا حين تصادقه، وأن حزن الإنسان كظله، لا يسعه ببساطة أن يتخطاه ككومة روث على الطريق ثم يواصل سيره كأن شيئًا لم يحدث. لكن أراد الشيطان من ابن آدم أن ينصرف عن جدوله إلى الأبد، فزيّن له ما لا يُدرك.

 

Previous Older Entries