حكاية اللعنة الأولى

searching

حين سقط إلى الأرض الملاك الذي عصى الرب، بدت السماء وكأنها تمطر دمًا أسود، وأقسم الملاك – الذي لم يعد كذلك – بأن يَسِمَ كل ابنٍ لآدم بفعلٍ يشقيه؛ فهذا لعنته أن يطمع، وهذا أن ينتظر، وذاك أن يصمت، أما أنا فكانت لعنتي أن أبحث..

عندما كنت في الرابعة من عمري تسللت خارج المنزل لأجوب شوارع الحي وحدي، وحين وجدتني أمي أخيرًا بعد ساعة من البحث، سألتني والدموع تملأ إحدى عينيها بينما غطت خصلة من شعرها العين الأخرى: “أين كنت؟!”، فأجبتها: “كنت أبحث عن شيء ما”. في الأيام التالية حاولت أمي مرارًا أن تستدرجني لأخبرها بما كنت أبحث عنه، لكنها لم تحصل على إجابة أبدًا، لأنني لم أكن أعرف.

في مراهقتي كنت ألعب كرة القدم، وبعد إحدى المباريات لملمت أشيائي المتناثرة في غرفة تبديل الملابس، وأخبرت رفاقي أن هذا هو يومي الأخير معهم، لأنه يتوجب علي البحث عن شيء ما. في اليوم التالي حين سأل المدرب: “أين الفتى الأعسر؟”، أجابه أحدهم:” لقد رحل ليبحث عن شيء ما!”

قبل امتحانات الثانوية، اتفقت مع رفيقتي ذات ليلة أن نذهب إلى أطراف المدينة لندرس بعيدًا عن صخب مقاهي القاهرة في الصيف. انتظرتها تحت البيت دقيقتين، أو هكذا ظننت، قبل أن تصيح ضاحكةً بلكنتها الإيرلندية: “أيها المخبول! أنا هنا منذ عشر دقائق أشاهدك وأنت تحدق في السماء ثابتًا كأحد تماثيل عصر النهضة، هل تبحث عن شيء ما؟”، اكتفيت بإيماءة مفادها “لا أعرف”، ثم مضينا في طريقنا.

وهكذا، كان قدري دائمًا أن أبحث، حتى قبل أن أختبر الشعور بالذنب والألم والفقد والخطيئة، كنت أبحث..

أتنقل بين اللغات والحروف، بين الأماكن والوجوه، بين الحب والحب الآخر، بين نسخي الكثيرة التي ذبلت، وبين الأحلام القديمة التي أحرقتها النار.. أبحث.. ولا أدرى عما أبحث.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: