وقائع غياب م.ن.

01-Realismes-Sitges

صليت صلاةً أخيرة
لأجل الطفل الأشقر الذي عشق كرة القدم
و”باك ستريت بويز” و”ألف ليلة وليلة”
وظنّ نفسه جديرًا بمكان
على طاولة الملك “آرثر” المستديرة
ثم ذات مساء أصابه الضجر
فأشعل النار في نفسه
ومن رماده خُلقت أنا

***

ولمَّا جاءَ الوقتُ
واستتبَّ في نفسي سلطانُ الظلام
قلتُ لهم جميعًا:
“إني آوٍ إلى سريري
منفايَ الطويل.. وصليبي
فتقاسموا أحلامي القديمة بينكم
للذكر مثلُ حظ الأنثى”

تعالَت الهمهمات…

غادر الأصدقاء واحدًا تلو الآخر
على وعدٍ بأن يظل مكاني على المقهى
محفوظًا في غيبتي الكُبرى،
وضفّرت لي جدتي إكليلًا من آيات القرآن
ثبتته على رأسي..
وقبَّلَت جبيني..
تساءلت أمي باكيةً: “أبكَ مَسّ؟”
ردَّ أبي:
“بل نسي الله.. فنسيه”
وقال أخي:
“سأجوبُ بلاد الدنيا بدلًا عنك
أطارد الشفق القطبي في آيسلاندا،
وأقدم قربانًا لروح خالتنا
في عيد الموتى في المكسيك،
وحين أتسلق كليمنجارو
لن أنصب على القمة عَلَمًا.. بل علمان”
قلتُ: “نعمَ الأخ، ونعم الصديق”
أدمعت رفيقتي،
وصاحت:
“لو تركوك كلهم.. فلن أتركك”
أجبتها:
“الحق أقولُ لكِ يا حبيبتي
ستنسينني قبل أن أُنهي
العلبةَ الثالثةَ من الزاناكس”
وقال مديري:
“في الأحلام!
رصيد إجازاتك لا يسمح،
ولا ندري كم ستمكث
بين الصَلْبِ.. والقيام!”
قلتُ: “رُفعت الأقلام…
والآن أنزوي إلى الظلام…
فاسهروا وصلّوا
لئلا تقعوا في التجربة
فإن الروح راغبة
لكن ما أوهن الإنسان”.

يوميّات نهاية العالم: مغامرةٌ بيضاء

إلى ماري ريتسو وإنريكا دل غاوديو، مُعلمتاي على مرّ عقد من الزمان،
وإلى فدوى يوسف التي لم تتردد في ترجمة هذه القصة إلى الإنجليزية،
وإلى كل الذين تبدلّت حياتهم بسبب وباء كورونا.

GettyImages_1207284195.0

استيقظتُ مبكرًا ذاك الصباح على غير العادة. ربما أيقظني جسدي احتجاجًا على كثرة الرقاد، أو ربما أيقظني الحماس، ولم لا؟ اليوم هو موعد مغامرتي الكبيرة، بعد أن أصبح العالم بلا مغامرات. قفزتُ من فوق السرير سريعًا، فأصابني بعض الدوار الخفيف، وضحكتُ على ما تفعله العُزلة بأجساد البشر. وبينما أنزع ملابسي للاستحمام، وقعت عيناي على أنبوب فارغ لمعجون الأسنان، فشعرت بحنين جارف لطعمه المنعنع في فمي.

كنت قد اتفقت مع الرجل على أن يُحضر لي “المعلوم” اليوم في التاسعة والنصف صباحًا. كانت كل التفاصيل مُوضحة: أين سنتقابل، ماذا سيرتدي كل منا حتى يتعرف على الآخر، وما هي الإشارة الصوتية التي سأستخدمها لأُعلمه بوصولي. راجعت كل ذلك في عقلي وتأكدت من أنني أحفظه جيدًا، ولم يعد عليّ سوى أن أُرسل له رسالة تأكيد بأن كل شيء على ما يُرام، وأن خطتنا لا تزال سارية.

أشارت ساعتي إلى تمام التاسعة، نزلت الدرج بخفّة، وحذائي في يدي، خوفًا من أن يسمعني أحد الجيران. لوهلة بدا باب البناية بعيدًا ومتوهجًا بفعل الشمس، كالضوء في آخر النفق. أخرجت رأسي من الباب بحرص، تأكدت أن الطريق خالية، وبدأت بالمشي مستترًا بما تبقى في الشارع من أشجار. وبينما أنعطف يمينًا من شارعي الرئيسي إلى الشارع الجانبي الذي أقصده، فاجأتني دورية من وحدات الحرب البيولوجية المنتشرة في الحي. اختبأت بسرعة خلف إحدى السيارات القابعة على جانب الطريق، وأخذت أراقبهم من زاوية ضيقة. صفّين من الرجال يرتدون الأبيض من الرأس وحتى أخمص القدم، بياض لا يدنسه إلا فلتر الهواء الأسود الذي يتنفسون منه. يشبهون كثيرًا الـ”ستورم تروبرز” في أفلام “حرب النجوم”. كانوا يقومون برشّ المطهرات معًا بحركات شديدة التناغم تبدو للناظر وكأنها رقصة من طقس دينيّ قديم، لكنها رقصة بلا حياة.

انتظرتُ حتى اختفوا تمامًا، ثم ركضت مُسرعًا صوب ما كان في السابق متجر ورد. الآن يجب عليّ أن أُقلد صوت القطة ليظهر شريكي في خرق القانون. فكرتُ لوهلة: ألم يكن بإمكاني أن أختار إشارة أقل سخافة من صوت القطة؟ قمتُ بالمواء، فخرج الصوت وكأنني هرٌّ عجوزٌ يحتضر، ثم ظهر الرجل من العدم مُلثمًا، ومدّ لي يده طالبًا المال. أعطيته ما يريد وأعطاني ما اتفقنا عليه، ثم اختفى مرة أخرى في العدم الذي جاء منه. أمسكت الكيس الشفّاف بإحكام وأنا أتأمل المسحوق الأبيض بداخله. كم هو جميل! كم هو مغو! سيجعلنا ننسى – ولو لوقت قصير – أن العالم من حولنا يتداعى، وكانت لحظات النسيان تلك تستحق المخاطرة.

دخلت شقتي متلهفًا، لم أخلع حذائي أو معطفي، فتحت الكيس بعصبية، فوقعت بعض ذرات المسحوق الأبيض فوق الطاولة. أخذت قليلا منها بإصبعي، استنشقتها، تذوقتها بطرف لساني، وسرت في جسدي كله رعشة مُحمّلةً بالنشوة. انتبهتُ أن الوقت يسرقني، فبدأت فورًا بالعمل.

بعد حوالي ساعة تقريبًا، أيقظتها، أمسكت يدها وهي نصف نائمة وسرتُ بها إلى غرفة المعيشة. لم تُصدق، ظلت عيناها مُعلقةً على الطاولة دون أي تعبير يكسو وجهها سوى الذهول، ثم فجأة، ضحكت ضحكةً صاخبة تردد صداها في صمت الحيّ، وأخذت تعانقني بعنف وتُكيل لي القُبلات. اليوم عيد ميلادها، وتداول المسحوق الأبيض الآن جريمة عقوبتها السجن مدى الحياة طبقًا للأحكام العرفية المفروضة على البلاد، لكن لم أكن لأدع يوم ميلادها يمرُّ هكذا… دون كعكة.

Apocalyptic Diaries: A White Adventure

To Mary Rizzo & Enrica Del Gaudio who taught me so much in the past decade,
To Fadwa Youssef who didn’t hesitate to translate this short story,
And to the strong people of Italy.

GettyImages_1207284195.0

      That morning, I woke up unusually early. Perhaps it was my body protesting against my oversleeping or maybe it was excitement that woke me up, who knows? My big adventure starts today in a now-adventureless world. I quickly jumped out of bed, which made me dizzy and got me chuckling at what isolation does to our bodies. As I was undressing for a shower, my eyes caught sight of an empty toothpaste tube and a sweeping yearning for its minty taste slipped through me.

     I had agreed with the guy to bring the “stuff” today at 9:30 in the morning. All details were perspicuous; where we’re going to meet, what we’re going to wear in order to recognize one another and the voice cue signaling my arrival. I went over all the specifics in my head making sure I memorized them. All I had to do next is text him confirming that everything is fine, and that our plan is still on.

    It was 9 am sharp, so I briskly went down the stairs carrying my shoes; afraid the neighbors would hear me. For a moment there, the sunrays made the building’s gate seem luminous reminiscent of the light by the end of the tunnel. I cautiously peeked my head from behind the gate to make sure the streets were empty then I concealed myself between the remaining trees in the street. As I turned right from my main street to the side street, I was cornered by a patrol of biological warfare units deployed in the neighborhood. I swiftly hid behind a roadside car and watched from a narrow corner. Two rows of men dressed in white from head to toe, bright white only defiled by the black air filter with which they breathe, looking quite similar to “Stormtroopers” in Star Wars movies, sprayed antiseptics with synchronized harmonious movements that seemed to the spectator as an ancient religious rite dance, yet a lifeless one.

     I waited till they completely dispersed, then I panted towards what used to be a flower-shop. Now I have to mimic a cat’s meow so that my partner in crime shows up. “Could I not have just chosen a less silly signal than a cat’s meow?” I thought to myself for a while. I meowed and I sounded like an old perishing cat. Then the man appeared out of nowhere, masked, and reached out to me asking for money. I gave him what he wants, and he handed me what we agreed on, then he vanished into the void he appeared from. I tightly grabbed the transparent bag looking at the white powder inside. “How beautiful and how tempting!” I sighed. It shall make us forget -even for a moment- that the surrounding world is collapsing, and these moments of oblivion were worth the risk.

    I entered my apartment zealously not taking off my shoes or my coat. I nervously opened the bag and some white powder particles fell on the table. I smeared my finger with it, I inhaled it, I savored it with the tip of my tongue and I felt my whole body quivering with euphoria. Then I realized I was running out of time, so I set off to work immediately.

    About an hour later, I woke her up, held her hand while she was half-asleep and walked her to the living room. She could not believe it; her eyes were fixated on the table and her face was expressionless except for amazement. Then suddenly, she let loose a loud peal of laughter that echoed in the neighborhood.

   She fervently clutched onto me smooching me up with kisses. Today is her birthday and dealing the white powder is now a life imprisonment crime, according to the martial laws imposed in the country. And yet, I would have never let her birthday pass without a cake.

ألحان الأبديّة

قفا نبكِ مِن ذكرى حبيبٍ ومَنْزِلِ..

هذا الباب الذي يبدو قاتمًا وموحشًا الآن كان قبل سنوات مدخلًا بَهِجًا لفردوسي الأرضي؛ تغطي جنباته الزينة الملونة، وتباركه صيحات أطفال العائلة والجيران وهم يلعبون.

فردوس لم أشك لوهلة أن كل ما فيه أبديّ.. معطف جدي الدافئ، أنغام المذياع العتيق، أهازيج جدتي الفلكلورية، أصوات خالاتي وهنّ يتسامرن، وصخبنا في جوف الليل ونحن نضعُ خطةً مُحكمةً لتوزيع أماكن النوم بالمنزل على هذا الجيش الجرّار.

لكن مات جدّي قبل أن يُعلمني كيف ألعب الشطرنج. وفرَّقت جدتي بين أبناء وبنات الخالات بأمرٍ من شيخ “فضائيات” لا أعرف اسمه، فغابت عنا براءة الأطفال، ولم نعد نتضاحك. ثم غادرتنا خالتي ذات خريفٍ بلا وداع، فصرتُ أبكيها كل خريف.

وبيعَ البيت، ولم يبق في مدخلهِ إلا أشباح أصوات الصغار، تتلمسُ طريقها نحو الأبدية، وتهمس في أذني حين أزورها: “تعالَ معنا!”.

مراجعة رواية “الضوء الخافت”

distant-light (1).jpg

 

يعيش بطل الرواية وحيدًا في بلدة مهجورة وسط الغابات والجبال، حيث لا بشر سواه، وحيث تطغى الطبيعة على كل شيء، وتتمرد على كل ما هو من صنع الإنسان. وفي كل ليلة، من أعالي التلال البعيدة، ينبعث ضوء خافت لا يعلم بطل الرواية ماهيته. يستفزه الضوء طويلًا حتى يقرر ذات يوم أن يذهب في رحلة لاستكشاف مصدر ذلك الضوء، رحلة ستقوده نحو المزيد من الحيرة والأحداث غير المتوقعة.

أبدع الكاتب باقتدار في الوصف البديع للمشاهد والطبيعة والأصوات. ولأن ليس ثمة شخصيات في الرواية سوى بطلها الوحيد، فقد اعتمد الكاتب ببراعة شديدة على المونولوج تارة، وعلى الحوار بين البطل والطبيعة من حوله تارة أخرى. كما نجح في تسليط الضوء على صراع الإنسان مع ذاته، وصراع الإنسان مع الطبيعة.

في قصة موسى وجد النبي الإجابات حين ترك أهله وتتبع الضوء الذي أومض في طور سيناء، وفي رواية أنتونيو موريسكو أصبح البطل محملًا بالمزيد من الأسئلة.

“أين يمكنني أن أذهب كي لا أرى هذه المذبحة، هذا الاعوجاج الأعمى الذي لا يمكن إصلاحه، والذي يسمونه الحياة؟”

ولد الكاتب الإيطالي أنتونيو موريسكو في إيطاليا عام 1947، ويعده النقاد أحد الآباء الجدد للرواية الإيطالية عمومًا والتيار التجريبي خصوصًا. لم تكن بداياته موفقة، حيث تم رفض أعماله من قبل العديد من دور النشر، قبل أن يفرض نفسه بقوة على الساحة الأدبية بثلاثيته الرائعة “ألعاب الأبدية”.

صدرت النسخة العربية من رواية “الضوء الخافت عام 2017 عن دار “بعد البحر” للنشر بدعم من وزارة الخارجية الإيطالية، وترجمتها عن الإيطالية المترجمة المتميزة هبة فاروق.

مرثيَّة

tumblr_mv3j35NWZw1snvd8eo1_500

أنتظرها،
وأهيم إلى حيها المكتظ،

أتأكدُ أن الفرَّان لا زال يخبز كعكتها المفضلة، وينتظرها..
وأن بائع الفاكهة قد أتى بثمار البرتقال، وينتظرها..
وأن القمر لا زال يتوارى خلف البيت العتيق، وينتظرها..
وأن حارس المدرسةِ يقرأ الجريدة على كرسيه، وينتظرها..

أنتظرها،
وأُعد طاولة الطعام تمامًا كما كانت تُحب،
فابعثها الليلةَ سيّدي،
لأنني منذ ثلاثة أعوامٍ
أنتظرها..

مراجعة رواية “شجرتي شجرة البرتقال الرائعة”

 

tree

العنوان: شجرتي شجرة البرتقال الرائعة.
 الكاتب: خوسيه ماورو دى فاسكونسيلوس.
المترجم: إيناس العباسي.
عدد الصفحات: 245
الناشر: مسكيلياني للنشر والتوزيع
تاريخ النشر الأصلي: 1968
تاريخ نشر الترجمة: 2018

 

“بحثًا عن اكتشاف الأشياء”، هذا هو عنوان الفصل الأول الذي بدأ به دى فاسكونسيلوس روايته المتمحورة حول شخصية “زيزا”، الطفل البرازيلي المشاكس صاحب الخمسة أعوام، والذي يعيش مع أسرته في أحد أحياء ريو دي جانييرو الأشد فقرًا. يمتلك زيزا ذكاءً فطريًا ساعده على إتقان القراءة وحده قبل أن يدخل المدرسة، وخيالًا واسعًا جعله يشارك أبطال أفلام “الكاوبوي” مغامراتهم دون أن يغادر باحة منزله.

كانت لزيزا طريقته الخاصة في اكتشاف الأشياء من حوله، طريقة لطالما قادته إلى المشاكل، ومن ثم إلى الضرب المبرح على مؤخرته الصغيرة، بالإضافة إلى نعته بالشيطان، والطاعون، وقط المزاريب. لقد نشأ هذا الطفل الهزيل في بيئة أسرية قاسية تمامًا؛ الأب بلا عمل، والأم تعمل في مصنع بعيد ولا تعود إلا مع غروب الشمس. كانت مائدتهم دومًا بلا طعام يُذكر في عيد الميلاد، وجواربهم بلا هدايا من “سانتا”، فيسوع الصغير لا يحب الفقراء، أو هذا ما وَقَر في قلب الصغير الذي كان يتجول أحيانًا في الشوارع بصندوق تلميع الأحذية طمعًا في كسب القليل من المال ليشتري به الكريات، أو صور نجوم السينما، أو علبة تبغ يصالح بها أباه. وبالرغم من حب الجميع لزيزا – بما فيهم أشقائه وأقاربه – إلا أن أحدًا لم يشعره قط بوجود هذا الحب. كان الفقر يغذي غضب الجميع، وكانت حماقات الصبي الصغير تحرر هذا الغضب.

يظل والد الصبي بلا عمل، وتنتقل الأسرة إلى منزل أصغر، حيث يجد زيزا في باحته الخلفية صديقه الوفي الجديد، جذع شجرة برتقال سمّاه “مينجوينهو”، يتحدث إليه، ويسمع منه، ويرويان لبعضهما الحكايات. تمر شهور الصيف، ويدخل زيزا المدرسة، وتزداد حماقاته التي أدت إحداها إلى صداقة وطيده بينه وبين السيد البرتغالي الذي دعاه زيزا “بورتوجا”. مع مانويل فالداريس – أو بورتوجا – يجد زيزا الحنان الذي افتقده في منزله، فيحاول التوقف عن قول البذاءات، ويعد بأن تقل حماقاته، ثم تتوالى أحداث الرواية، وتتوالى معها مغامرات الصبي النحيل الذي يُصادق جذع شجرة وسيدًا برتغاليًا في عمر والده.

 لم يكن مكتوبًا على غلاف الكتاب سوى أنه رواية، لكن بعد أن قرأت الأسماء التي أوردها الكاتب خوسيه دى فاسكونسيلوس في الإهداء، ثم وجدت هذه الأسماء تتكرر في المتن، أدركت أن الرواية ما هي إلا السيرة الذاتية للكاتب نفسه، سيرة بدأت بالطفولة وانتهت بها.

أكثر ما أعجبني حقًا هو اختيار الكاتب للطفل “زيزا” ليكون هو الراوي، ونجاحه في تقمص طريقة التحدث والتفكير لدرجة لا تجعلك تشك ولو للحظة أن من يروي الحكاية هو شخص آخر غير الطفل ذي الخمسة أعوام. لقد رسم خوسيه دى فاسكونسيلوس ببراعة تفاصيل معاناة الأطفال الفقراء في البرازيل، وأبرز التفاوت الطبقي الكبير الذي أوجدته الرأسمالية بين أبناء الحي الواحد. كما جعلنا نرى بعيون “زيزا” أن سماء الفقر لا تمطر إلا فقرًا، وأن هذا العالم في حاجة دائمة إلى المزيد من الحب.

يقول الكاتب في ختام سيرة طفولته الذاتية: “مرت السنوات عزيزي مانويل فالديراس، أنا الآن عمري ثمانٍ وأربعون سنة، وأحيانًا، في حنيني، يجتاحني شعور بأنني ما زلت دائمًا طفلًا. بأنك ستظهر فجأة وتجلب لي صور النجوم أو كريات. إنه أنت من علمني رقة الحياة عزيزي “بورتوجا”. الآن جاء دوري في توزيع الكريات والصور، لأن الحياة من دون الحنان لا تساوي شيئًا ذا بال”.

ولد البرازيلي خوسيه ماورو دى فاسكونسيلوس عام 1920 في ريو دي جانييرو لأب قوقازي ذي أصول برتغالية وأم هندية من السكان الأصليين. لم يكمل دراسة الطب، وتنقّل بين العديد من الوظائف، منها عمله كحمّال ومزارع ومدرب ملاكمة. كتب خوسيه ماورو العديد من الروايات، لكن لم يذع صيت أي منها – داخل البرازيل أو خارجها – سوى “شجرتي شجرة البرتقال الرائعة” التي نُشرت عام 1968. توقف نشر الترجمة الإنجليزية للرواية لأربعين سنة كاملة قبل أن تقوم “بوشكين بريس” بإعادة طباعتها في عام 2017. كما نشرتها بالعربية لأول مرة هذا العام دار مسكيلياني للنشر بدولة تونس. توفي دى فاسكونسيلوس عام 1984 بمدينة ساو باولو عن عمر ناهز الأربعة وستين عامًا.

غراميات م.ن النيتشوية

24232022_1315381255233967_9099427880810874402_n

يُمكنني إخبارُكِ
أننا الاستثناء الأجمل
بين كل نكبات العاشقين،
وأنَّ الله لم يخلق الإنسانَ
في كَبَدْ..
يمكنني إخبارُكِ
أنَّ النبيذ بين شفاهنا
لن ينضب بئرهُ،
وأنَّ ظَبيَ الحُبِ
يفترسُ الأسَدْ..
يمكنني إخبارُكِ
أنَّ هذا النزق اللذيذ
سيظل يكفينا،
وأنَّ عطركِ سيُسكرني
فوقَ الأبدِ، أبَدْ..
يُمكنني إخبارُكِ
أنَّ النجوم في عينيَّ
لن يخفت نورها،
وأن قلبكِ سيعودُ إليَّ
وإن شَرَدْ..
يُمكنني أن أهمسَ سحرًا
يوقظُ فيكِ
فراشاتي..
يُمكنني أن أعزفَ شعرًا
فوق سطوري
الباليةْ..
لكن!
أحب رؤية الحقيقة،
تمامًا كما
أحبُ رؤياكِ:
مُجردةً..
عاريةْ..

حكاية اللعنة الأولى

searching

حين سقط إلى الأرض الملاك الذي عصى الرب، بدت السماء وكأنها تمطر دمًا أسود، وأقسم الملاك – الذي لم يعد كذلك – بأن يَسِمَ كل ابنٍ لآدم بفعلٍ يشقيه؛ فهذا لعنته أن يطمع، وهذا أن ينتظر، وذاك أن يصمت، أما أنا فكانت لعنتي أن أبحث..

عندما كنت في الرابعة من عمري تسللت خارج المنزل لأجوب شوارع الحي وحدي، وحين وجدتني أمي أخيرًا بعد ساعة من البحث، سألتني والدموع تملأ إحدى عينيها بينما غطت خصلة من شعرها العين الأخرى: “أين كنت؟!”، فأجبتها: “كنت أبحث عن شيء ما”. في الأيام التالية حاولت أمي مرارًا أن تستدرجني لأخبرها بما كنت أبحث عنه، لكنها لم تحصل على إجابة أبدًا، لأنني لم أكن أعرف.

في مراهقتي كنت ألعب كرة القدم، وبعد إحدى المباريات لملمت أشيائي المتناثرة في غرفة تبديل الملابس، وأخبرت رفاقي أن هذا هو يومي الأخير معهم، لأنه يتوجب علي البحث عن شيء ما. في اليوم التالي حين سأل المدرب: “أين الفتى الأعسر؟”، أجابه أحدهم:” لقد رحل ليبحث عن شيء ما!”

قبل امتحانات الثانوية، اتفقت مع رفيقتي ذات ليلة أن نذهب إلى أطراف المدينة لندرس بعيدًا عن صخب مقاهي القاهرة في الصيف. انتظرتها تحت البيت دقيقتين، أو هكذا ظننت، قبل أن تصيح ضاحكةً بلكنتها الإيرلندية: “أيها المخبول! أنا هنا منذ عشر دقائق أشاهدك وأنت تحدق في السماء ثابتًا كأحد تماثيل عصر النهضة، هل تبحث عن شيء ما؟”، اكتفيت بإيماءة مفادها “لا أعرف”، ثم مضينا في طريقنا.

وهكذا، كان قدري دائمًا أن أبحث، حتى قبل أن أختبر الشعور بالذنب والألم والفقد والخطيئة، كنت أبحث..

أتنقل بين اللغات والحروف، بين الأماكن والوجوه، بين الحب والحب الآخر، بين نسخي الكثيرة التي ذبلت، وبين الأحلام القديمة التي أحرقتها النار.. أبحث.. ولا أدرى عما أبحث.

حكاية الحزن الأول

abel

 

في يومٍ ما، قبل حساب الأيام، جلس ابنٌ لآدم عند جَدولٍ يبكي أخاه، وكان أحد الشياطين قد اتخذ من الجدول بيتًا لما وجد من نقاء مائه. لكن يومًا بعد يوم، ظلت دموع ابن آدم تعكر صفو مياه الجدول، ثم حدث أن في اليوم الأربعين استشاط الشيطان غضبًا، فبرز لابن آدم مزمجرًا: “ما الذي يجلبك إلى هنا؟”. “الحزن”، أجاب ابن آدم بمزيج من الأسى وعدم الاكتراث، غير آبه بدمامة الشيطان أو بثورته. سكت الشيطان برهة قبل أن يصيح بخبث: ” لتتخلص من الحزن عليك أن تتخطاه، أن تتناساه.. هيا! اذهب! “.
كان الشيطان يعلم تمام العلم أنك لا تهزم الحزن إلا حين تصادقه، وأن حزن الإنسان كظله، لا يسعه ببساطة أن يتخطاه ككومة روث على الطريق ثم يواصل سيره كأن شيئًا لم يحدث. لكن أراد الشيطان من ابن آدم أن ينصرف عن جدوله إلى الأبد، فزيّن له ما لا يُدرك.

 

ساعة السيد م.ن. الأخيرة

time-travel-steve-hester

وضَعَ آخر قطعة دومينو على الطاولة
وانتهى الدورُ الذي يلعبهُ وحيدًا؛
لا غالب ولا مغلوب،
للمرَّة السبعين بعد الألفِ..
أعادَ الدومينو إلى الصندوق،
أطفأ المِصباح،
أوقدَ شمعةً،
ووقف يُصلّي أمامَ الساعة،
للمرَّة السبعين بعد الألفِ..
يرجوها أن يزحف قطار عقاربها

إلى الوراءِ..ساعة!
فيحتسي كل فناجين القهوةِ
التي تركها تبرد
ثُم زَهَدَ فيها..
يودّعُ رفيقًا كما يجبُ أن يكون..
يُقبّل حبيبةً لم تَعُد كذلك..
يتدثَّرُ في مِعطَف جدّه الخشن..
يَتمشى ليلًا في الميدان
دون أن تُلاحقه ظلال الجنود..
يُكمل قصيدةً ضاعت بين الدفاتر..
يجلسُ بين أطلالِ المقهى..
ثُم يعودُ بعد انقضاء الساعة
إلى الساعة..
يكسر تروسها،
ينتزع عقربيها،
يغرسهما في قلبه،
فتصير آخر ميتاتِهِ، وأبهجها،
المِيْتة السبعين بعد الألفِ..

.
..للاستماع إلى النصّ مُسجلًا: اضغط هنا

مش قصة هاي

image

بتمرُق عليّ امرُق.. ما بتمرُق ما تمرُق
مُش فارقة معاي.. مُش فارقة معاي

مرَّ شهران، لم أُقابل خلالهما مخلوقًا، وأنا أُحدق في ذلك الهاتف الأسود المستقر فوق الطاولة الخشبية العتيقة في ركن الغرفة؛ تلك الطاولة التي اعتدت أن أجلس إليها وأنا أخطّ رسائلي. كل كلمة، كل بقعة حبر، كل لحظة سكونٍ بين السطر والذي يليه، شهدتها تلك الطاولة. كان العالم كله ينطوي فيها حين أبدأ في الكتابة، والآن يجثم ذلك الهاتف الأسود على صدرها وصدري، يبث بسكونه في خرائب روحي وَحْشَةً بعد وَحْشَة. أحيانًا حين يغلبني النعاس، ثم أتوهَّم أنه يرنّ، فأهبُّ إلى السمَّاعة ولا أجد إلا الصوت المتقطع لنغمة الإدخال. هل حقًا ما زلت أنتظرك؟ غُرفتي التي لم تدخلها الشمسُ منذُ شهرين تقول نعم، وعقلي الذي لم تفهمهُ يقول لا، وقلبي الذي أحبَّك لم يَعُد صالحًا لشيء.

بتفرق معاي افرق.. ما بتفرق ما تفرق
قصة مُش هاي.. مُش قصة هاي

المسافر وحدهُ حُرّ، المسافر وحدهُ تتبدَّل عوالمهُ سريعًا فيُنسيهِ آخرها أولها. ستّون يومًا قضيتها وأنا أتنقَّلُ من مدينةٍ إلى مدينة، ومِن قطارٍ إلى قطار. لكن لا تبدُّل الوجوه منحني الراحة، ولا تبدُّل الأمكنة منحني الإجابات. أنا كما أنا؛ لا أستطيعُ الحياةَ بدونكِ ولا أستطيعُ الحياةَ معك. وقفتُ على ضفةِ نَهرٍ، وعلى الضفةِ الأُخرى كان نسيانك.. قطعتُ من روحي بسكين صدأة كل ذِكرى تربطني بك، وألقيتها في النهرِ واحدةً تلو الأخرى، لأصنع منها جسرًا أعبرُ عليه. لكن حين انتهيت لم يتبقَّ مني شيء كي آخذَهُ وأعبُر، فوضعتُ سكيني أرضًا، ومكثتُ مكاني.

بتشفق عليّ إشفِق.. ما بتشفِق ما تشفِق
مُش هاينة عليّ.. مُش فارقة معاي

مُكابَدَة

أَن تَدُكّ إحداهُنَّ حُصُوني بَعد كُل سنوات الاستِغناء والجُموح، فهذا ناموسُ الرب في كَونِهِ وعَينُ عدله. لكن كيفَ يَحمِلُ هَذا الجَمَالُ ما تَنوءُ بهِ الجِبالُ مِن قَسوةٍ وبُرودٍ وتَرَدُّد؟ تلكَ التي خُلِقَتْ تاءُ التأنيثِ مِن ناصِيَتِها، كيفَ أعددتُ راحِلَتي للسَيرِ في بساتينِ عَيْنَيها الخَضْراويَنِ فإذا بهما يَمُّ هائجٌ أَغرَقَني؟ إنَّ الذي قَذَفَ في قَلْبي كُل هذا الحُب، وقَذَفَ في روحها كُل هذا الحُسن، لقادر عَلى أن يُحيل جَزَعي اصطبارا، وناري ثلجًا، وثَلجها نارا، وأن يَحدوها إليَّ مُصْبِحَةً أو مُدلِجَةً لا تَخاف إلَّاهُ وحَرّ الشوقِ على قَلبِها.

سونيت 18

سونيت رقم 18 لويليام شكسبير، ألقيتها بالإنجليزية على موقع ساوندكلاود > (هنا)
وهذا هو النص الأصلي لها، بالإضافة إلى الترجمة العربية للدكتور محمد العناني والذي ترجمها لجريدة المساء سنة 1962.

صورة


ألا تشبهين صفاء الصيف

بل أنت أحلى وأصفى سماء

ففى الصيف تعصف ريح الذبول

وتعبث فى برعمات الربيع

ولا يلبث الصيف حتى يزول

وفى الصيف تسطع عين السماء

ويحتدم القيظ مثل الأتون

وفى الصيف يحجب عنا السحاب

ضيا السما وجمال ذكاء

وما من جميل يظل جميلا

فشيمة كل البرايا الفناء

ولكن صيفك ذا لن يغيب

ولن تفتقدى فيه نور الجمال

ولن يتباهى الفناء الرهيب

بأنك تمشين بين الظلال

اذا صغت منك قصيد الأبد

فمادام فى الأرض ناس تعيش

ومادام فيها عيون ترى

فسوف يردد شعرى الزمان

وفيه تعيشين بين الورى

الصَخْرَة

 

صورة

تركتُ كُلَّ شَيءٍ خَلْفي..
مَشاكلي وعذاباتي،
صَوت المُحَقِق،
صُراخ امرأتي،
ضَجيج المَدينة،
وهمهمات الناسِ حَولي فِي الحاناتِ..
كَم سِرتُ؟
لا أدري..
كانَت طريقًا ضبابيَّةً
بلا مارة أو علاماتِ..
يَمَّمتُ وجهيَ شطرَ اللامكان
أدورُ حولَ نفْسي عاجلًا وَجِلًا
كهاجر إذ تَبحث لابنِها عَن القَطَراتِ..
وأنَّى لِي بإبراهيمَ يَدعو؟
وأنَّى لي بجبريلَ يضربُ الأرضَ بالبركاتِ؟
أمضي والضياعُ هُدايَ..
إلى متى سرت؟
لا أدري..
لَم يَعُد للوقتِ مَعنى
وتناثرَت عَقاربُ الساعاتِ
***
ناداني صوتهُ من بعيد: يا غريب!
كان واقفًا يحمل صخرةً عظيمة
على سفح جبلٍ قِمَّتُهُ في السماواتِ..
ناديته متسائلًا:

-مَن أنتَ يا هذا؟
-اسمي سيزيف
-سيزيف؟ يبدو اسمكَ مألوفًا.
-علَّهُ صادفكَ في جريدةٍ أو في إحدى الرواياتِ..
-أهلًا سيزيف.
-أهلًا بغريبٍ انتظرتهُ آلافَ السنواتِ..
-لا يبدو جسدك بخير، ولا عقلك، وما هذه الصخرة؟
-أوه، الصخرة! ألا تحملها عني قليلًا؟
-ضعها أرضًا.
-مكتوبٌ عَليها ألا تَمَس الأرضَ.. مصبوبٌ عَليها ألعنَ اللعناتِ..
-كفاك خرفًا أيُها المجنون ودعني فقد تُهتُ هنا.
-سأدلك على الطريق! لكن احملها ريثما أقضي حاجتي خلفَ الشُجيراتِ..

حَمَلتها عنهُ ولَم يَعُد.. حاولتُ طرحها أرضًا فلَم تنطرح..
ولَم تُفلِحُ استغاثاتي..
ضَجيجٌ هائلٌ مِن الصَخرةِ يَصُمُّ أُذني!
صَوتُ المُحَقِق،
صُراخُ امرأتي،
ضَجيجُ المَدينةِ،
وهمهماتُ الناسِ حَولي فِي الحاناتِ..

 

مخطوطٌ على منديل المقهى

صورة

لكُل داءٍ دواء، إلا الحُب، لا يُداويه إلَّا الحُب. أرأيت إن سار الركبانُ في صحراءٍ وجاوزوا شطرها ثُم نفد ما معهم من زاد؟ إن عادوا أدراجَهُم هَلَكوا، وإن بقوا مكانَهُم هَلَكوا. كذلكَ الفتى في الحُب؛ لا أملَ له في النجاةِ إلا بضرب أكباد الإبِل فيه مُقبلًا غير مُدبر.